العفو الرئاسي عن البرلمانيتين : انتصار الحكمة على منطق التصعيد / عبدالله محمدن لوبو

 

في خطوة حملت الكثير من الدلالات في توقيتها ومضمونها، أصدرت رئاسة الجمهورية مرسوما يقضي بمنح عفو رئاسي شامل عن البرلمانيتين المعارضتين مريم الشيخ صمب جينغ وقامو عاشور سالم، ليسقط ما تبقى من العقوبة السالبة للحرية في حقهما، مصحوبا بإعفائهما التام من الغرامات والمصاريف القضائية. ويأتي هذا الإجراء في أعقاب صدور حكم محكمة الاستئناف بانواكشوط، الذي قضى بتخفيف العقوبة السجنية إلى سنتين نافذتين مع حرمانهما من الحقوق المدنية والسياسية لخمس سنوات، ليطوي صفحة مؤرقة من التجاذب السياسي والقانوني الذي شغل الرأي العام الوطني وهدد السكينة الأهلية.

إن القراءة الفاحصة لهذا القرار من موقع المعارضة الوطنية والمسؤولة تتطلب إنصافا وموضوعية تتجاوز الخصومة السياسية الضيقة؛ فالقرار يمثل في جوهره انتصارا لصوت العقل، وتجسيدا لمرونة سياسية مطلوبة في إدارة الأزمات الداخلية.

لقد بدأت فصول هذه القضية بمسار اتسم بالتشدد القانوني والسياسي، حين جرى توقيف البرلمانيتين ومحاكمتهما بناء على تهم فضفاضة وسياقات أثارت قلقا بالغا لدى قوى المعارضة والحقوقيين بشأن سقف الحريات وحصانة المشرعين، خاصة وأن التوقيف استند إلى نصوص كـ “قانون حماية الرموز” الذي طالما رأت فيه المعارضة أداة للتضييق على الأصوات الناقدة. ورغم صدور حكم الاستئناف الذي خفف الحكم الابتدائي، إلا أن استمرار سجن نواب الشعب كان سيبقي الجرح نازفا ويغذي الاحتقان السياسي والاجتماعي.

ومن هنا، تكتسب خطوة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بالإفراج الفوري عن المعنيتين أهمية بالغة تستوجب الإشادة والترحيب، إذ إنها نزعت فتيل أزمة حقيقية، وأثبتت أن أعلى سلطة في الدولة تدرك كلفة التصعيد المستمر مع المعارضة.

إن الإشادة بهذا العفو من منظور معارض تنبع من ككونه خطوة شجاعة في الاتجاه الصحيح تؤسس لأرضية مشتركة؛ فالرئيس، باستخدامه لصلاحياته الدستورية، أظهر “حس التهدئة” وغلّب المصلحة الوطنية العليا على منطق الردع الخشن. هذا القرار يقطع الطريق على الأطراف التي تسعى لتوظيف القضية لإذكاء النعرات الفئوية أو لتعميق شرخ الوحدة الوطنية، ويعيد التأكيد على أن حماية اللحمة الاجتماعية لا تكون فقط بإنفاذ القوانين الصارمة، بل بالصفح، وفتح آفاق الحوار، وامتصاص الغضب.

إن الخطاب المعارض، في الوقت الذي يؤكد فيه على موقفه الثابت بضرورة مراجعة القوانين المقيدة للحريات واحترام الحصانة البرلمانية، يرى في هذا العفو الرئاسي بادرة إيجابية تُحسب للنظام، ودليلا على أن قنوات الحكمة لم تغلق بعد. فالصفح عند المقدرة هو شيمة القادة الذين يضعون استقرار الوطن فوق الحسابات السياسية الآنية.

إن هذا القرار لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف، بل يجب أن يُمثّل فاتحة لأفق سياسي جديد ورحب، يتأسس على التهدئة السياسية الشاملة، وإطلاق سراح كافة معتقلي الرأي، وتعميق التشاور الوطني. فبناء موريتانيا المستقرة والمزدهرة لا يتأتى إلا بتناغم يحمي القانون من جهة، ويوطد قِيَم العفو والتسامح ويحترم تعدد الآراء من جهة أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى