من تفرغ زينه إلى سدة الحكم 27 عاما من ” الاستقرار المؤقت ” في انتظار قطار الإنصاف / عبدالله محمدن لوبو

 

في بلدية تفرغ زينة، حيث ينمو البنيان وتزدهر المشاريع وتتغير ملامح العاصمة بين عشية وضحاها، نجحت مواطنة موريتانية تدعى توت منت محنض أحمد ولد منيه في تحقيق رقم قياسي غير مسبوق في الصبر والجلَد؛ سبعة وعشرون عاما كاملة وهي تعيش مع أسرتها في القطعة الأرضية ذاتها، لا بصفتهم ملاكا، ولا بصفتهم عابري سبيل، بل في منزلة بين المنزلتين ابتدعها البيروقراطيون وصاغتها الوعود الرسمية منذ عام 1999.

بدأت الحكاية بزيارة تاريخية باركتها عمدة البلدية آنذاك، السيدة فاطمة بنت عبد المالك، التي زفت للأسرة “البشرى” القانونية بأن هذه الأرض تابعة للدولة، وأن البت في البقاء أو الإخلاء هو حصريا من صلاحيات الجهات المختصة. ومنذ ذلك الوقت، والأسرة تعيش على أمل أن تلتفت تلك “الجهات المختصة” من مشاغلها الكبرى لتمنحهم صفة قانونية واضحة. وفي عام 2005، لاحت بارقة أمل جديدة عندما هبط عليهم إحصاء رسمي وعدهم بإدراجهم ضمن قوائم المستفيدين من التعويض العقاري. ومن المفارقات الساخرة أن الأطفال الذين وُلدوا في ذلك العام، كبروا وتخرجوا وربما تزوجوا، بينما لا يزال ملف “التعويض” يغط في نوم عميق داخل أدراج المكاتب الإدارية، وكأن الزمن توقف لدى اللجان المكلفة عند حدود ذلك العام.

لكن الكوميديا الإدارية السوداء لم تقف عند حدود الانتظار؛ بل تحولت مؤخرا إلى تراجيديا يندى لها الجبين. فجأة، ومن دون مقدمات، استيقظت الأسرة على وقع مطارق أحد الأشخاص وهو يشيد مباني في عقر دارهم، معلنا بكل ثقة أنه المالك الجديد للمأوى! ولم يكتفِ هذا “المستثمر المفاجئ” بفرض سياسة الأمر الواقع واختراق الأرض، بل أردف ذلك بزيارات مكوكية مكررة، محملا بتهديدات ومطالبات بالإخلاء القسري، ضاربا بعرض الحائط هيبة الدولة التي أكدت سابقا أن الأرض تابعة لها، وأن الفصل في النزاعات العقارية هو اختصاص أصيل وحصري لسيادتها.

إن هذا التجرؤ الفج على السكينة العامة، واستعراض العضلات على أسرة ضعيفة استقرت في مكانها قبل أن يعرف الطرف الآخر ربما الطريق إلى تفرغ زينة، هو أمر يستدعي أشد عبارات التنديد والاستنكار. أين هي هيبة القانون؟ وكيف يُترك مواطن يجابه التهديد والترهيب في وضح النهار لمجرد أن الدولة تأخرت سبعة وعشرين عاما في حسم ملف إداري؟

إن السيدة توت منت محنض أحمد ولد منيه، ومن خلفها الرأي العام المصدوم من هذه المفارقات، ترفع اليوم نداءها الحار والصارخ إلى فخامة رئيس الجمهورية وإلى السلطات العليا في البلاد. إنها لا تطلب مستحيلا، بل تطالب بفتح هذا الملف الذي غطاه غبار العقود، والتحقيق في ملابسات هذا التعدي السافر، وحسم الوضعية القانونية للعقار بشكل نهائي وعادل. لقد آن الأوان لترتج أقلام العدالة وتتحرك لجان الإنصاف لتضع حداً لمأساة أسرة موريتانية كاملة، فليس من المقبول أن تظل مصائر المواطنين معلقة بين سندان البيروقراطية الحكومية ومطرقة المتنفذين الواهمين.

زر الذهاب إلى الأعلى