الصحراء الغربية خمسون عاما من صهيل الرمال/ عبدالله محمدن لوبو / باحث في تاريخ الغرب الإسلامي في العصر الوسيط.

الصحراء الغربية خمسون عاما من صهيل الرمال/ عبدالله محمدن لوبو /باحث في تاريخ الغرب الإسلامي في العصر الوسيط.

 

حين تتكئ الدبلوماسية على أوراقها المحايدة، ويرخي الإعلام الحر لجام معداته فوق كثبان “تيرس” و”الساقية الحمراء”، ينجلي غبار نصف قرن عن مشهد ليس كمثله شيء. خمسون عاما مرت على قضية الصحراء الغربية؛ ليست مجرد أرقام في رزنامة السياسة، بل هي “ملحمة تيه” معاصرة، خطت فصولها بدموع الثكالى وعرق المقاتلين وصبر المرابطين في فيافي اللجوء.

 

خمسون عاما والرمال لا تزال تحفظ وقع الخطى الأولى، حين انكسر قيد الاستعمار الإسباني ليرتطم بحسابات الجغرافيا السياسية التي لا ترحم. سينظر العالم إلى تلك العقود الخمسة فيرى فيها تراجيديا إنسانية صيغت بمداد الصبر فوق أديم “آوسرد” و”وادي الذهب”؛ حيث تحولت الخيمة من مجرد مأوى بدوي عابر إلى قلعة صمود تختزل هوية شعب عصي على الذوبان. في هذه الفيافي، لم تكن السياسة يوما ترفا، بل كانت صراعا وجوديا خاضه إنسان هذه الأرض الذي استعذب مرارة اللجوء وقسوة “الحمادة” في سبيل أن يظل سليل قراره، متمسكا بخيط الأمل الذي يربطه بوطن لا يراه إلا في أحلامه وعبر سياج الجدران الرملية الصماء.

 

لقد توقف الزمن في مخيمات “تندوف” وعند تخوم “تيرس” ليحكي قصة جيل وُلد في مهب الريح، ورضع لغة التمسك بالحق قبل أن يتعلم أبجدية الحروف. إن الحق في تقرير المصير ليس في هذا السياق مجرد بند قانوني جاف في أروقة الأمم المتحدة، بل هو فريضة أخلاقية وضرورة تاريخية لشعب مسلم يرفع جبينه للسماء في صلاته، ويرفض أن يحنيه لغير خالقه في وطنه. إنها ملحمة تداخلت فيها “المانيفستوهات” السياسية مع “هيدوس” الفرح الموءود، حيث يقف الصحراوي اليوم شاهدا على عجز العالم عن إنصاف قضية هي من الوضوح كشمس الظهيرة في رابعة النهار، لكنها غيبت في دهاليز المصالح الضيقة.

 

إن استحضار الخمسينية هو استحضار لذاكرة الوجع والاعتزاز معا، فبرغم مرور نصف قرن على هذا التيه، لم تفلح رياح الصحراء العاتية في محو معالم الهوية أو طمس ملامح الحق الأصيل. إن إصرار هذا الشعب المسلم على أن يكون سيد مصيره هو الصخرة التي تكسرت عليها كل محاولات الفرض القسري، وهو البرهان الساطع على أن الشعوب حين تقرر الحياة، فإن كل الأسوار والجدران تصبح هباء منثورا. هي قصة صراع بين إرادة الإنسان وصمم التاريخ، ولن تنتهي فصولها إلا حين تعود الرمال لأصحابها، ويتحول الانتظار الطويل إلى عناق حر تحت سماء السيادة الكاملة.

 

إنّ الصحراء الغربية اليوم ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي اختبار لضمير العالم ولروابط الأخوة في الدين والعروبة. إن الحل لا يكمن في فرض “الأمر الواقع” بقوة السلاح أو بالتقادم الزمني، بل في العودة إلى جوهر العدالة استنطاق صناديق الاستفتاء، ومنح الرمال حقها في أن تختار من يعانقها.

​لقد آن أن تكتب نهاية سعيدة لهذه التراجيديا، وآن أن يغلق فصل الشتات لتفتح صفحة البناء. فالحق، مهما توارى خلف سحب الغبار، يبقى كالفجر.. لا بد له من بزوغ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى