الأستاذ الرائع / سيدي محمد الملقب XY يكتب – گورگي.. مائة عام من الجدل والتقلبات.

عبد الله واد (گورگي) وتعني العجوز بالولفية، أحد أبرز الشخصيات في الحياة السياسية السنغالية، يغلق اليوم 29 مايو 2026 مائة عام كاملة.
ويمثل هذا الرقم محطة فارقة للاحتفاء بمسيرة حافلة؛ بدأت من صفوف المعارضة الشرسة، ومرت بأروقة القضاء كمحام بارع، وتوجت برئاسة الجمهورية، قبل أن يتحول في خريف العمر إلى مدافع مستميت عن الإرث السياسي والمسار القانوني لنجله كريم واد.
لقد اختزل هذا القائد المخضرم في عمره المديد قرنا كاملا من الصراعات السياسية الشديدة، والأزمات العميقة، والتحولات الهيكلية في تاريخ البلاد.
ومنذ انخراطه الأول في المعترك العام خلال ستينيات القرن الماضي وحتى اعتلائه سدة الحكم عام 2000، خط واد لنفسه مسارا استثنائيا في فرادته؛ مسارا صاغته المواجهات المحتدمة مع الأنظمة المتعاقبة، وعمدته فترات السجن والاعتقال، وشكلته التحالفات البراغماتية غير المتوقعة.
ولد عبد الله واد رسميا في 29 مايو 1926 بمدينة “سانت لويس” في شمال السنغال، على الرغم من أن الرئيس السابق نفسه أثار الشكوك في أكثر من مناسبة حول دقة تاريخ ميلاده الرسمي.
نشأ واد في كنف عائلة تجارية ميسورة الحال، مما أتاح له متابعة تحصيله العلمي في “مدرسة ويليام بونتي” العريقة، قبل أن يتوجه إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا.
وفي باريس، نال عدة إجازات علمية في القانون، والاقتصاد، والعلوم السياسية، ممهدا بذلك لطريقه نحو ممارسة المحاماة.
خلال تلك الحقبة التكوينية في أوروبا، لم ينعزل واد عن قضايا قارته، بل انخرط بفاعلية في حركات التحرر الأفريقية، وسجل حضورا داعما لنشطاء الثورة التحريرية الجزائرية.
مع مطلع الستينيات، برز اسم عبد الله واد في المشهد السنغالي كقامة قانونية رفيعة، وتجلى ذلك بوضوح في تصديه لملف الدفاع عن مامادو ديا (Mamadou Dia)، رئيس مجلس الوزراء الأسبق، الذي واجه تهمة تدبير محاولة انقلابية ضد الرئيس ليوبولد سيدار سنغور.
وقد ترك الحكم الصادر بالسجن المؤبد بحق ديا عام 1963 أثرا غائرا في فكر واد، الذي ظل يصف ذلك الحكم بأنه جائر، ومثال على توظيف القضاء في تصفية الخصوم السياسيين.
وفي عام 1974، نجح واد في انتزاع ترخيص رسمي لتأسيس “الحزب الديمقراطي السنغالي” (PDS)، في حقبة كانت تتسم بالتضييق السياسي والرقابة المحكمة من السلطة.
وسرعان ما تحول الحزب الوليد إلى ركيزة المعارضة الأساسية في البلاد؛ حيث قاد واد حملات سياسية متعاقبة ضد الحكومة الاشتراكية، مقدما نفسه كبديل استراتيجي لسنغور أولا، ثم لخلفه عبدو ديوف.
وعلى مدار عقود، تخطى الرجل سلسلة من الانكسارات الانتخابية المكررة، والاعتقالات المتتالية، ومناخات التوتر الأمني والسياسي مع السلطة القائمة.
من زنازين الاعتقال إلى التداول التاريخي عام 2000.
في مطلع التسعينيات، ساد انطباع لدى قطاع عريض من المراقبين بأن الأفول السياسي لواد قد حان؛ لاسيما بعد إيداعه السجن عام 1994 على خلفية أعمال العنف التي تلت الاستحقاقات الانتخابية.
ورغم الإفراج عنه بعد أشهر قليلة، كان حزبه يعيش وطأة أزمة تنظيمية حادة
لكن، وخلافا لجميع التقديرات، استعاد واد زمام المبادرة وريادة المشهد في أواخر التسعينيات. وفي عام 2000، وبعد أكثر من ربع قرن قضاها في خنادق المعارضة، حقق فوزا تاريخيا في الانتخابات الرئاسية على حساب الرئيس عبدو ديوف.
وشكل هذا الانتصار منعطفا ديمقراطيا غير مسبوق في التاريخ الحديث للسنغال؛ إذ تمثل في الانتقال السلمي والسلس للسلطة لأول مرة عبر صناديق الاقتراع.
عقب إعادة انتخابه لولاية ثانية عام 2007، دشن واد حزمة من مشاريع البنية التحتية العملاقة، أبرزها الطريق السيار الرابط بين داكار وديامنياديو، وتشييد المطار الدولي الجديد، غير أن هذه الولاية الثانية لم تخل من انتقادات واسعة طالت طبيعة الحوكمة، بالتزامن مع الصعود المتنامي لنفوذ نجله، كريم واد، في دوائر القرار وصناعة السياسات العامة.
وقد واجه الرئيس آنذاك اتهامات حادة من القوى المعارضة بالسعي لهندسة توريث سياسي عائلي، مما تسبب في اندلاع موجة عارمة من الاحتجاجات الشعبية في مختلف أنحاء البلاد.
في عام 2012، اختار عبد الله واد الترشح لولاية ثالثة، وهو القرار الذي فجر سجالا دستوريا وقانونيا محتدما حول مشروعيته.
وعقب خسارته في الجولة الثانية أمام رئيس وزرائه السابق ماكي صال، بادر واد إلى الاعتراف الفوري بالهزيمة، في خطوة كرست مجددا نضج التجربة الديمقراطية السنغالية ومؤسساتها.
بعد مغادرته قصر الرئاسة، تفرغ واد بالكامل لإدارة معركة الدفاع عن نجله كريم، الذي أدين في عام 2015 بتهم تتعلق بالإثراء غير المشروع. وقاد الرئيس الأسبق حراكا سياسيا ودبلوماسيا مكثفا تكلل بصدور عفو رئاسي عن نجله عام 2016، غادر على إثره الأخير السنغال مستقرا في دولة قطر.
اليوم، ومع تجاوزه عتبة القرن من العمر، يظل عبد الله واد شخصية محورية بامتياز في الوجدان السياسي السنغالي؛ ينظر إليه مريدوه كمهندس للانتقال الديمقراطي المجيد عام 2000، في حين يرى فيه خصومه نموذجا لبعض التجاوزات في إدارة السلطة. وبين هذا وذاك، يظل واد، بلا منازع، أحد أعمق الرموز أثرا في صياغة التاريخ السنغالي المعاصر.



