إجهاض المؤسسة على عتبات النفوذ ؛ كيف غدت عدالة التحويلات التعليمية قربانا للموازنات الجهوية ؟ / عبدالله محمدن لوبو

 

تتحرك المجتمعات الساعية نحو النهوض مدفوعة بيقين صارم أن القوانين والمعايير هي الملاذ الآمن والوحيد لحفظ الحقوق وصيانة السلم الأهلي والمهني. وفي قطاع حيوي كقطاع التربية والتعليم، يكتسب هذا اليقين قدسية إضافية؛ فالمدرس الذي يؤتمن على صياغة عقول الأجيال، ينبغي أن يرى في مؤسسته الرسمية نموذجا للعدالة الناجزة والتجرد المطلق. غير أن ما شهدته أروقة وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي مؤخرا بشأن تحويلات أساتذة ولاية الحوض الشرقي، يضع هذه التطلعات المؤسسية أمام تساؤلات حارقة ومقلقة.

إن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في حرمان خمسة وخمسين أستاذا من حقٍ كفلته لهم المعايير الوطنية الموحدة وشبكة التنقيط المعتمدة، بل في “المنهجية الاستثنائية” التي أُديرت بها الأزمة. فأن تظهر أسماء هؤلاء المدرسين في اللوائح الأولية للتحويل بناء على معيار الأقدمية المحدد سلفا بخمس سنوات، ثم تتبدل الشروط بين عشية وضحاها ليُقذف بهم خارج دائرة الاستحقاق عبر اشتراط أقدمية عشر سنوات استثنائية للولاية دون غيرها، لهو مسلك يضرب مفهوم “الحقوق المكتسبة” في مقتل، ويزعزع الثقة في المنصات التنظيمية للوزارة.

ومما يُثير القلق على مستقبل الإدارة والعمل النقابي معا وهو ما تبدّى في الموقف الموحد لبعض نقابات التعليم الثانوي، هو المؤشر الذي يبعث به هذا القرار؛ إذ تبدو فيه الوزارة مستسلمة لضغوط جهوية وتدخلات خارجية من نافذين ومدونين، آثروا معالجة إشكالات محلية على حساب مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين كافة منتسبي القطاع على امتداد التراب الوطني.

إن النقص الحاصل في الطواقم التدريسية في أي بقعة من بقاع الوطن هو معضلة حقيقية تتطلب جراحة إدارية شجاعة، لكن علاجها ومسؤوليتها تقع على عاتق الوزارة وحدها عبر آلياتها النظامية من اكتتاب مستعجل، أو تعاقد، أو إعادة توزيع شامل وعادل للموارد البشرية؛ وليس عبر معاقبة فئة من المدرسين قضوا سنوات من البذل والغربة بعيداً عن أهاليهم، ليجدوا أنفسهم رهائن لمعايير فُصّلت على مقاس رغبات النفوذ الإقليمي.

إن الرضوخ للضغوط الموازية خارج أطر القانون يفتح بابا واسعا للزبونية، ويقوض كل جهود إصلاح النظام التعليمي. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تحديث المناهج أو تشييد المباني فحسب، بل يبدأ أولاً وقبل كل شيء من إنصاف المدرس وحمايته وتكريس هيبة النظم القانونية.

إن التراجع الفوري عن هذا الشرط الاستثنائي، وتمكين أساتذة الحوض الشرقي من حقوقهم وفق المسطرة الوطنية المعتمدة، لم يعد مجرد مطلب فئوي أو نقابي عابر، بل هو ضرورة حتمية لإعادة الاعتبار لقيم العدالة والمؤسسية، وللتأكيد على أن لغة القانون يجب أن تظل دائما أعلى وأقوى من لغة التدخلات والوجاهات.

زر الذهاب إلى الأعلى