بين مطرقة التهويد وسندان التشرذم: قراءة في واقع الأمة الجريح / عبد الله محمدن لوبو باحث في تاريخ الغرب الإسلامي في العصر الوسيط.

بين مطرقة التهويد وسندان التشرذم: قراءة في واقع الأمة الجريح / عبد الله محمدن لوبو باحث في تاريخ الغرب الإسلامي في العصر الوسيط.
تطل على الأمة الإسلامية اليوم نازلة من أشد النوازل وقعا، حيث يختلط دم الأسير الفلسطيني بدموع المصلين المبعدين عن مسراهم، في ظل استعار حروب إقليمية تعيد رسم خرائط النفوذ على حساب القضية المركزية. إن المشهد الراهن، المتمثل في إغلاق المسجد الأقصى منذ رمضان، وسن تشريعات “إعدام الأسرى”، والتجاذبات السياسية للسلطة الفلسطينية، وصولاً إلى المواجهة المباشرة بين إيران والكيان الصهيوني، يضع الأمة أمام مرآة الحقيقة: هل نحن أمام مرحلة تصفية القضية، أم أنها مخاض لولادة فجر جديد؟
إن الخوض في الموضوع يتطلب منا تحليل الوقائع وربطها بنماذج من تاريخ الأمة، فأمة تجهل تاريخها بعيدة من فهم حاضرها وضائعة المستقبل.
أولاً: حصار الأقصى.. استنساخ لعهود الصليبيين.
إن إغلاق المسجد الأقصى ومنع الأذان فيه لفترات ممتدة، ليس مجرد إجراء أمني، بل هو محاولة لفرض “التقسيم الزماني والمكاني” المطلق.
لنخطو مع الأيام وندور مع الزمان سيعيدنا هذا المشهد إلى عام 1099م، حين سقطت القدس بيد الصليبيين ليجعلوا من الأقصى إسطبلا لخيولهم ومقرا لفرسانهم، ومُنع فيه الأذان لقرابة 91 عاماً. لكن التاريخ يخبرنا أن هذا الإغلاق كان الوقود الذي أشعل روح المقاومة لدى عماد الدين زنكي وتلميذه صلاح الدين، ليتحول القهر إلى قوة فتحت أبواب بيت المقدس مجددا في معركة حطين.
ثانيا: قانون إعدام الأسرى.. منطق القوة وتغييب العدالة.
يأتي توجه الاحتلال لسن قانون “إعدام الأسرى” ليعكس حالة من اليأس العسكري ومحاولة لكسر إرادة الصمود.
ألا يذكرنا هذا بشيء غابر إن التاريخ يعيد نفسه، ألم يقم الاستعمار القديم بإعدام الشهيد عمر المختار في ليبيا عام 1931م. وظن الفاشيون الإيطاليون أن حبل المشنقة سيقطع دابر الثورة، فكانت كلماته: “عمري سيكون أطول من عمر شانقي”، هي الدستور الذي سارت عليه الأمة حتى نالت استقلالها. إن إعدام الأسير اليوم هو اعتراف ضمني بفشل السجان في هزيمة روح المقاتل خلف القضبان.
ثالثا: التناقض السياسي وحروب المحاور.
في الوقت الذي تخوض فيه المنطقة صراعا إقليميا كبيرا بين إيران والكيان الصهيوني، تبرز تصريحات محمود عباس أبو مازن الداعية للتهدئة والتعايش وتلبيس الشرعية للمغتصب، مما يخلق هوة سحيقة بين القيادة والشارع.
أوليس هذا التخبط هو ما حدث في أواخر العهد الأندلسي، حين كانت “ممالك الطوائف” تتصارع فيما بينها تحت عباءة “أنا وأخي على ابن عمي”، ويستعين بعض حكامها بالعدو ضد أخيه، بينما كانت المدن تسقط واحدة تلو الأخرى. إن التاريخ يؤكد أن “وهن القيادة” وانقسامها هو البوابة الذهبية التي يدخل منها المحتل لتثبيت أركانه.
أمة المليارين إلا قليلا التاريخ لا ينسى العظماء ولا يرحم الجبناء، فالبوصلة البوصلة والمسار المسار…
وخلاصة القول إن واقع الأمة اليوم، رغم قتامته، يحمل في طياته بذور التغيير. فالتاريخ الإسلامي يثبت أن الأمة قد تمرض لكنها لا تموت، وأن أشد ساعات الليل سوادا هي تلك التي تسبق بزوغ الفجر.
إن حماية الأقصى من التهويد، وإنقاذ الأسرى من المقصلة، يتطلب تجاوز لغة الاستنكار والبيانات الرسمية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، والعودة إلى وحدة الهدف والمصير. إن الرهان الحقيقي ليس على طاولات المفاوضات ولا على الصراعات التي تخدم أجندات خارجية، بل على الشعوب التي ما زالت ترى في القدس بوصلتها الوحيدة، وفي كرامة الأسير خطا أحمر لا يمكن تجاوزه.
إن الحقوق التي وراءها مطالب لا تضيع، وإن القدس التي استعصت على الغزاة عبر العصور، لن تفتح أبوابها إلا لمن يستحق شرف الانتماء إليها فعلا لا قولا
…فلا نامت أعين الجبناء…




