شوم إلى متى يبقى مركزاً إدارياً؟.. دعوة لإعادة رسم الخريطة الإدارية لولاية آدرار وإنصاف المناطق المستحقة / محمدو أحمد إكليد

 

 

تطرح مسألة التقسيم الإداري في ولاية آدرار نفسها بإلحاح، في ظل اتساع الرقعة الجغرافية للولاية وتباعد تجمعاتها السكانية، وما يترتب على ذلك من تحديات حقيقية في الوصول إلى الخدمات العمومية وتحقيق تنمية متوازنة وشاملة.

 

وفي هذا السياق، يبرز مركز شوم الإداري باعتباره أحد أهم المراكز الإدارية في الولاية، ليس فقط من حيث موقعه الجغرافي، وإنما كذلك لما يزخر به من موارد طبيعية، وللدور الذي يؤديه باعتباره حلقة وصل استراتيجية بين ولاية آدرار وولاية تيرس زمور من جهة، وولاية داخلت نواذيبو من جهة أخرى، فضلاً عن كونه يمثل المعبر الحدودي الوحيد في ولاية آدرار.

 

فإذا كانت الدولة تتجه إلى إعادة النظر في الخارطة الإدارية بما يخدم التنمية ويقرب الإدارة من المواطنين، فإن من المشروع أن يطرح سكان شوم وغيرهم سؤالاً واضحاً: لماذا لم تتم ترقية مركز شوم الإداري إلى مقاطعة، رغم كل هذه المؤهلات والأهمية الاستراتيجية؟

 

ترقية المراكز بدل صناعة وحدات إدارية بلا مقومات

 

ليس الهدف من المطالبة بترقية شوم إلى مقاطعة هو مجرد تغيير الاسم أو رفع المستوى الإداري، وإنما خلق إطار مؤسسي قادر على استيعاب التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المنطقة، وتقريب الخدمات الأساسية من المواطنين، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار والتنمية والتشغيل.

 

وكان من الأولى، في أي رؤية جادة لإعادة تنظيم التقسيم الإداري، أن تحظى المراكز الإدارية التي تمتلك مقومات جغرافية واقتصادية وسكانية حقيقية بالأولوية في الترقية، بدل الاكتفاء بإحداث وحدات إدارية جديدة لا تتوفر دائماً على الحد الأدنى من المقومات التي تجعلها قادرة على أداء أدوارها التنموية.

 

إن العدالة في التقسيم الإداري لا ينبغي أن تقوم على اعتبارات ظرفية أو حسابات ضيقة، وإنما على معايير موضوعية، من بينها عدد السكان، والمساحة، والموقع الجغرافي، والموارد الاقتصادية، والأهمية الاستراتيجية، وبعد السكان عن مراكز الإدارة والخدمات.

 

قرى تستحق بلديات مستقلة

 

ولا تقتصر الإشكالية على المقاطعات وحدها، بل تمتد كذلك إلى مستوى البلديات.

 

ففي ولاية آدرار قرى وتجمعات سكانية أصبحت تتوفر على كثافة بشرية وعمرانية معتبرة، ومع ذلك لا تزال تابعة لبلديات أخرى، رغم بعدها الجغرافي عن مراكزها الإدارية، بل إن بعض هذه التجمعات قد تكون أكبر من حيث عدد السكان والعمران من مراكز بلدية تتبع لها.

 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة الخريطة البلدية، بما يضمن لكل تجمع سكاني حقه في إدارة محلية قريبة منه، ويمنح السكان القدرة على المشاركة المباشرة في تسيير شؤونهم والاستفادة من المشاريع التنموية.

 

التنمية تبدأ من الإنسان

 

كما أن أي تقسيم إداري جديد لن يحقق أهدافه إذا لم يصاحبه اهتمام حقيقي بالسكان، وخاصة الشباب.

 

فمن غير المعقول أن تتحول المناطق التي تزخر بالموارد الطبيعية والمشاريع الاقتصادية إلى بيئة طاردة لسكانها الأصليين، بينما يجد الشباب القادمون من مناطق أخرى فرصاً للعمل فيها أكثر مما يجدها أبناء المنطقة أنفسهم.

 

إن إعطاء الأولوية لشباب المدن والمراكز والقرى في فرص العمل المتاحة، وفق الكفاءة والاستحقاق والقوانين المعمول بها، من شأنه أن يساهم في تثبيت السكان في مناطقهم، ويحد من الهجرة نحو المدن الكبرى، ويخلق ديناميكية اقتصادية واجتماعية داخل تلك المناطق.

 

فالتنمية الحقيقية ليست مجرد طرق ومبانٍ ومشاريع، وإنما هي أيضاً إنسان مستقر في أرضه، يجد فيها فرصة للعمل والعيش الكريم وبناء مستقبله.

 

أين مسؤولية المنتخبين؟

 

وفي المقابل، فإن المطالبة بتوسيع التقسيم الإداري وتحسين الخدمات يجب أن ترافقها مساءلة حقيقية للمنتخبين والمسؤولين المحليين عن حصيلة عملهم.

 

فلا ينبغي أن يتحول الانتخاب إلى تفويض مفتوح بلا رقابة أو محاسبة. وعلى المنتخب أن يكون مطالباً بتقديم حصيلة واضحة أمام المواطنين، وأن يخضع أداؤه للتقييم وفق القوانين والآليات الرقابية المعمول بها.

 

إن ترك المنتخبين يتحركون دون رقابة فعالة، ودون تقييم حقيقي لأدائهم، يمكن أن يفتح الباب أمام سوء التسيير ويؤثر سلباً على التنمية ، ولذلك فإن تعزيز الرقابة والمساءلة والشفافية يمثل شرطاً أساسياً لأي إصلاح إداري وتنموي.

 

آدرار تحتاج إلى رؤية جديدة

 

إن ولاية آدرار، بمساحتها الشاسعة وتنوعها الجغرافي والاقتصادي، تستحق رؤية إدارية وتنموية أكثر عدالة وإنصافاً.

 

وإذا كانت الدولة جادة في تحقيق تنمية شاملة ومستدامة، فإن إعادة النظر في التقسيم الإداري للولاية أصبحت أمراً يستحق النقاش الجاد، بما في ذلك ترقية بعض المراكز الإدارية، واستحداث مقاطعات وبلديات جديدة وفق معايير موضوعية، وتقريب الخدمات من المواطنين، وتعزيز الرقابة على المنتخبين، وإعطاء الشباب المحلي فرصة حقيقية للمشاركة في التنمية.

 

وفي مقدمة هذه المطالب، تظل ترقية مركز شوم الإداري إلى مقاطعة قضية تستحق الدراسة الجادة، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي، وموارده، ودوره في الربط بين ولايات متعددة، وأهميته الحدودية.

 

فالتقسيم الإداري ليس مجرد خطوط ترسم على الخريطة، بل هو قرار يرتبط بمستقبل السكان، وبقدرتهم على الوصول إلى الخدمات، وبفرصهم في التنمية والاستقرار.

 

وولاية آدرار تستحق تقسيماً إدارياً أكثر عدالة، وتنمية تصل إلى كل مناطقها، بحيث يأخذ كل ذي حق حقه.

زر الذهاب إلى الأعلى