المأمورية الثالثة بين شطط الدعوات وصريح الدستور/عبدالله محمدن لوبو

في غمار التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها الجمهورية الإسلامية الموريتانية، يجد المتابع للمشهد العام نفسه أمام ظاهرة تستدعي التأمل والوقوف؛ حيث ترتفع بين الفينة والأخرى أصوات، وتتشكل مبادرات تعتلي المنابر لتنادي بتجاوز المحددات الدستورية المتعلقة بالمدد الرئاسية، والمطالبة بفتح الباب أمام مأمورية ثالثة.
أليس منكم رجل رشيد يدرك خطر هذه الدعوات؟ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فتأخذون من القانون ما يروق لكم وتتركون ما يفرض الالتزام؟ مالكم كيف تحكمون في شؤون أمة يقتضي بناء دولتها الرصانة والاحتكام إلى العروة الوثقى للنصوص الدستورية؟
إن الدستور هو السند الأسمى لشرعية المؤسسات والعقد الاجتماعي التأسيسي للجمهورية، وهو بحكم مكانه وعلوه الركن الأساس للرموز الوطنية كافة. ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة العلنية بخرق مواده المحصنة، واستغلال المناصب والوظائف الحكومية للتسويق لهذه الدعوات، يشكل انحرافاً جسيما يمتد إلى استغلال نفوذ الدولة ومواردها خارج نطاق القانون، والتعريض بالمرجعية التأسيسية للبلاد.
إن مقتضيات العدالة وسيادة القانون تستوجب الصرامة والمبدئية؛ إذ لا يستقيم إعمال الترسانة القانونية والتنظيمية لحماية التشريعات الفرعية وإغفالها في الشق الأهم الذي يمس الوثيقة الأم للبلاد. ويوجب هذا الواقع تحريك المتابعة الإدارية والقضائية، وتفعيل المساءلة القانونية بحق كل من يستغل موقع المسؤولية العمومية للترويج لهذه المبادرات، ردعا للشطط، وصيانة لحرمة الوظيفة العمومية، وحماية للعقد الوطني من التلاعب والمزايدات المنابرية.
إن دولة المؤسسات والسيادة لا تستقيم إلا بتطبيق القانون بغير تجزئة؛ فلا يُؤخذ من التشريعات ما يوافق الرغبات الحينية وتُعطل نصوصها أمام التجاوزات الصريحة. فالإيمان بالمرجعية القانونية يفرض ألا يُترك العقد التأسيسي للجمهورية عرضة للمساومة؛ فاحترام المثل الدستورية وحماية النصوص السيادية هما السور الواقي لاستقرار البلاد وصيانة تجاربها الوطنية من الهزات.
ألا تحظر المادة (28 جديدة) من الدستور الموريتاني إعادة انتخاب الرئيس لمأمورية ثالثة؟ كما أن المادة (29 جديدة) تلزم الرئيس في اليمين الدستورية بعدم القيام أو المساعدة في أي مبادرة لتعديل هذه المواد المحصنة. فلماذا التزيد على نص الدستور صراحة، والقفز على اليمين حنثا وتأويلا؟



