حصاد الوهم و زيف المظاهر/ عبد الله ولد محمدن لوبو

تعتبر الامتحانات المدرسية والجامعية بمثابة الميزان القسط الذي توزن به كفاءات البشر، والمضمار العادل الذي يستبق فيه الطلبة لينال كل ذي حق حقه؛ فتتميز الصفوة، وترتفع الدرجات بقدر الكد والتحصيل. غير أن هذا المحراب المعرفي الطاهر بات موبوءاً بظاهرة خبيثة تتفشى في جسد المنظومة التعليمية كالنار في الهشيم، ولم تعد مجرد حيلة عابرة لتجاوز عقبة، بل أمست جريمة منظمة تهدم أركان المعرفة؛ ألا وهي ظاهرة الغش في الامتحانات. فكيف تحول الغش من سلوك فردي معزول إلى آفة متطورة تهدد بنية المجتمع واستقرار الوطن، وتقذف إلى سوق العمل بخريجين يحملون وِزْرَ شهادات زائفة وكفاءات معدومة؟ وما موقف الشريعة الإسلامية الحاسم من هذا الزيف؟
إن الناظر في واقع هذه الظاهرة يلمس أولاً أنها لم تعد حبيسة الورقة الصغيرة المخفية في جيوب الطلبة، بل طالتها عولمة التكنولوجيا بشكل مخوف؛ إذ طور أرباب الغش مهاراتهم ليتماشوا مع الثورة الرقمية، فاستُبدِلت الطرق الكلاسيكية بالسماعات الميكروسكوبية الدقيقة، والنظارات الذكية، بل وحتى بتقنيات الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل الاجتماعي التي تسرب الاختبارات وتدير قاعات الامتحان عن بعد.
هذا التطور الخطير جعل المعركة بين المراقبين والغشاشين أشبه بحرب تكنولوجية، تنهك فيها جهود الدولة، وتسلب فيها قداسة العلم، ويُقفز بها فوق سلم الاستحقاق بطرق ملتوية.
ويتجلى الحصاد المر لهذا الخداع حين يخرج الطالب من بوابة الجامعة زافاً لنفسه ولأهله نجاحاً وهمياً؛ فهو يحمل شهادة لا يستحقها، لا تعدو كونها حبراً على ورق لا يعكس معرفة ولا يثبت أهلية، ليصبح أمام المجتمع “خريجاً بلا مستوى”. إن هذا الطالب لا يخدع إلا نفسه في المقام الأول، لكن الكارثة الكبرى تبدأ حين يلج سوق العمل ليتحول إلى “موظف تحت المطلوب”؛ فنرى أطباء لا يفرقون بين الدواء والداء، ومهندسين أعمالهم عرضة للانهيار، ومعلمين بنوا نجاحهم على الزور، مما يؤدي إلى تغلغل الرداءة في مفاصل الإدارات والمؤسسات وتعطيل عجلة التنمية.
هذا وإن الشريعة الإسلامية قد حرمت الغش بشتى صوره؛ حيث نفى النبي صلى الله عليه وسلم الصلة الروحية والأخلاقية بين المسلم الحق وبين المارق الغشاش في قوله الصحيح: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»، وهي براءة نبوية تعكس عظم الجرم. فالغش -لقبحه وماهيته المشينة- فعلٌ حرامٌ سواء أكان في المعاملات المالية أو في الامتحانات الدراسية، بل قد يكون أعظم وزراً في الامتحانات من غيره لما يترتب عليه من فساد ممتد يطال الأمة والمجتمع.
وتتعاظم خطورة هذه الآفة لتشكل تهديداً مباشراً لكيان الدولة بأسره؛ فالغش يغتال مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، مما يزرع الإحباط واليأس في نفوس الطلبة المجدين، ويدفع بالعقول الفذة إلى الهجرة والانكفاء، لتبقى الساحة لمتسلقي الزيف. كما أنه يؤدي إلى تراجع ترتيب الدولة علمياً ومعرفياً بين الأمم، فتصاب المنظومات بالعقم، ويموت الابتكار، وتتفشى الأمية المقنعة التي تجعل المواطن مستهلكاً لا منتجاً، وتابعاً ذليلاً لا قائداً، مما يعجل بانهيار القيمة الأخلاقية والإنتاجية للمجتمع.
وختاماً، نخلص إلى أن علاج معضلة الغش لا يبدأ من تشديد الرقابة داخل لجان الامتحان فحسب، بل يتطلب نفضة وعي مجتمعية شاملة تعيد بناء الضمير الإنساني، وتغرس مخافة الله والأمانة في نفوس الناشئة منذ الصغر. إن حماية الأوطان تبدأ من حماية عقول أبنائها، وما لم تتكاتف الأسرة مع المدرسة والإعلام لتجفيف منابع هذه الآفة، سنظل ندور في حلقة مفرغة؛ ننتج شهادات جوفاء تبني مظاهر خادعة وتهدم أوطاناً حقيقية، لتصل الآثار المدمرة للجهل المقنع إلى مفاصل القرار وصُنّاعه ممن لا يدرون من أين تؤكل الكتف.
ويصدق قول الشاعر اليمني محمد الشوكاني:
يا خائِضَ الْبَحْرِ لا تَدْرِي سِبــاحَتَهُ
وَيْلي عَلَيْـكَ أَتنْجُــو إنْ عَـلاَ الـزَّبَدُ؟



