من “هرمز” إلى “تندوف”: هل تصبح الجزائر صمام أمان الطاقة لموريتانيا؟ / عبد الله محمدن لوبو / باحث في تاريخ الغرب الإسلامي في العصر الوسيط.

في الوقت الذي يترنح فيه استقرار إمدادات الطاقة العالمية على وقع التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز — الشريان الذي يغذي العالم بنحو 20% من استهلاكه من النفط — تجد موريتانيا نفسها أمام حتمية إستراتيجية لإعادة رسم خارطة وارداتها من المحروقات. وفي هذا السياق، يبرز التقارب الاقتصادي المتنامي مع الجمهورية الجزائرية ليس كمجرد اتفاق تجاري عابر، بل كخطة طوارئ وطنية لضمان السيادة الطاقوية عبر “الجغرافيا الآمنة”. فهل تقوم الحكومة الحالية لموريتانيا بإحياء مسارات “شنقيط وتوات” التاريخية برؤية إستراتيجية حديثة كخطة استباقية لضمان الأمن الطاقوي للبلاد؟
لمناقشة الموضوع سنمر بالمحاور التالية:
مخاطر “هرمز” والبحث عن البديل الإقليمي.
لطالما كان الاعتماد على سلاسل التوريد القادمة من خلف البحار محفوفا بالمخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين، خاصة مع تزايد احتمالات إغلاق المضائق الدولية في الأزمات. بالنسبة لموريتانيا، يمثل أي اضطراب في مضيق هرمز تهديدا مباشرا لأسعار الوقود محليا، مما ينعكس سلبا على قطاعات حيوية كالصيد، النقل، والصناعة.
من هنا، تفرض الجغرافيا نفسها كحل؛ فالجزائر، القوة الطاقوية الكبرى في القارة، تمتلك من المقومات ما يجعلها الشريك الأنسب والأقرب، بعيدا عن تقلبات الممرات المائية القلقة.
توات وشنقيط: حين تعيد الأنابيب رسم مسارات القوافل.
إن هذا التوجه نحو الجزائر ليس وليد المصادفة، بل هو إحياء عصري لجذور تعاون ضاربة في القدم. فما تسعى إليه “أنابيب المحروقات” اليوم هو امتداد لمسارات “قوافل الذهب والملح” التي ربطت بين إقليم توات (في الجنوب الجزائري) وبلاد شنقيط.
تاريخيا، كان إقليم توات يمثل “الميناء البري” وحلقة الوصل الكبرى لعلماء وطلاب شنقيط وجموع حجيجها. هذا التداخل الروحي والعلمي أوجد ثقة متبادلة عبر القرون، تجعل من الشراكة الطاقوية اليوم استمرارا طبيعيا لعهد كانت فيه القوافل هي “خطوط الإمداد” الوحيدة التي تكسر عزلة الصحراء وتؤمن احتياجات الشعوب.
خط الأنابيب البري: شريان حياة جديد.
هل سيرى محللوا الدولة أن تطوير ممرات برية مؤمنة عبر طريق تندوف-ازويرات مثلا، أو التفكير مستقبلاً في خط أنابيب إقليمي لنقل المشتقات النفطية، سيمثل ثورة في مفهوم التكامل الاقتصادي المغاربي؟
بلى لأن أبرز مكاسب هذا التحول ستتمثل في نقاط هامة منها:
_ استقرار الأسعار: حماية السوق الموريتانية من التذبذبات الحادة الناتجة عن أزمات الشرق الأوسط.
_ خفص التكاليف: تقليص مسافات الشحن البحري الطويلة واستبدالها بنقل بري مباشر يوفر تكاليف التأمين والمخاطر.
_ السيادة الطاقوية: بناء مخزونات إستراتيجية بالتعاون مع خبرات شركة “سوناطراك” الجزائرية، مما يضمن استمرارية الإمداد في أحلك الظروف الدولية.
وخلاصة القول:
إن التحول نحو العمق الجزائري لتأمين احتياجات موريتانيا من الطاقة هو خطوة استباقية ذكية تقي البلاد شر الهزات الجيوسياسية البعيدة. إنها “دبلوماسية الطاقة” التي تحول الجغرافيا إلى درع واق، وتستلهم من تاريخ القوافل بين شنقيط وتوات حلا لمستقبل أكثر أمانا وأرسخ ديمومة وأقل تكلفة.



