شوم.. مدينة على خط السكة الحديدية، لكنها خارج قطار التنمية! / محمد أحمد إكليد

حين تبقى المدينة في المجهول، وتختلف ساكنتها حول أمور لا تصنع مستقبلها، يصبح الطريق مفتوحًا أمام كل من يأتي من خارجها ليتصرف وكأنه السيد وصاحب الفضل والقرار. وحين تغيب وحدة الكلمة، وتطغى الأحلاف والمجموعات على المصلحة العامة، يجد الجميع أنفسهم أسرى الوعود، بينما تظل المدينة تدور في حلقة مفرغة، تنتظر مشاريع قد لا ترى النور، وحقوقًا قد لا تجد من يطالب بها بجدية.

 

هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم عند الحديث عن مدينة شوم: من بنى المدينة؟ ومن جعلها مركزًا إداريًا؟ ومن يعمل على ترقيتها إلى مقاطعة؟ ومن يأتي بالمساعدات والمشاريع؟ ومن يقف وراء كل مبادرة تنموية؟

 

قد يختلف الناس في الإجابات، وقد ينسب كل طرف الفضل إلى نفسه أو إلى المجموعة التي ينتمي إليها، لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه الجميع هو: ماذا تحقق فعلًا لمدينة شوم وساكنتها؟

 

فالتنمية ليست حكايات تُروى في المجالس، ولا إنجازات تُنسب إلى الأشخاص، ولا وعودًا تُستحضر كلما اقترب موعد مناسبة أو مهرجان. التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية، في الماء الصالح للشرب، والطرق، والصحة، والتعليم، وفرص العمل، وتحسين الظروف المعيشية.

 

 

 

عجبًا لمدينة تحمل صفة المدينة المنجمية، وتعبرها القطارات المحملة بالمعادن، وتحيط بها أنشطة شركة تُعد من أهم ركائز الاقتصاد الوطني، ثم تظل ساكنتها تتساءل عن نصيبها من التنمية!

 

إنها مفارقة تستحق الوقوف عندها طويلًا؛ فمدينة شوم تقع على خط السكة الحديدية الذي يربط مناطق الإنتاج المنجمي بميناء التصدير، وتعيش في محيط اقتصادي يرتبط بنشاط الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «اسنيم»، ومع ذلك لا يزال الحديث عن الخدمات الأساسية والتنمية المحلية حاضرًا بقوة في انشغالات سكانها.

 

تمر القطارات، ويتواصل النشاط المنجمي، وتتصاعد سحب الغبار في سماء المدينة، لكن السؤال الذي ينتظر جوابًا واضحًا هو: ماذا يعود على شوم وساكنتها من هذا النشاط الاقتصادي الكبير؟

 

لا يتعلق الأمر بالمطالبة بامتيازات خارج القانون، ولا بتحميل جهة واحدة مسؤولية جميع الاختلالات، بل بطرح سؤال مشروع عن العدالة في توزيع ثمار التنمية، وعن مسؤولية المؤسسات والشركات والسلطات المحلية في تحسين ظروف العيش بالمناطق التي تحتضن الأنشطة المنجمية.

 

وإذا كانت هناك شركات أو أنشطة تابعة للمجموعة نفسها تستفيد من الموقع والموارد والبنية التحتية، فإن من حق الساكنة أن تتساءل عن البرامج الاجتماعية والتنموية الموجهة إليها، وعن المعايير التي تحكم اختيار المشاريع وتوزيعها.

 

 

 

من المؤسف أن تتحول بعض القضايا المحلية إلى ساحة للتنافس بين الأفراد والمجموعات، فيصبح كل طرف حريصًا على إثبات أنه صاحب الإنجاز، أو أنه وحده القادر على جلب المساعدة، أو أن المدينة ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه لولا جهوده.

 

لكن المدينة ليست ملكًا لفرد، ولا حكرًا على مجموعة، ولا ينبغي أن تتحول المشاريع العامة إلى أوراق للمزايدة أو وسائل لاكتساب النفوذ الاجتماعي.

 

ومن حق كل شخص ساهم في خدمة شوم أن يُقدَّر جهده، كما أن من حق الساكنة معرفة حقيقة المشاريع المنفذة، ومصادر تمويلها، والجهات التي أشرفت عليها، والنتائج التي حققتها.

 

أما أن تبقى المدينة أسيرة الأحلاف، وأن تتحول كل مبادرة إلى مناسبة لتبادل الاتهامات أو توزيع الأدوار، فذلك لا يخدم مستقبلها، ولا يساعد على معالجة المشكلات التي تواجه سكانها.

 

إن الخلاف في الرأي أمر طبيعي، لكن الخلاف الذي يعطل المصالح العامة ويُضعف القدرة على المطالبة بالحقوق يتحول إلى عبء على الجميع.

 

 

 

تحتاج شوم إلى الانتقال من مرحلة الحديث عن المشاريع إلى مرحلة التنفيذ والتقييم والمحاسبة.

 

فكل مشروع يُعلن عنه ينبغي أن تكون له معالم واضحة: ما أهدافه؟ ومن يموله؟ ومتى يبدأ؟ ومتى ينتهي؟ ومن المستفيد منه؟ وكيف يمكن للساكنة متابعة تنفيذه؟

 

ولا يكفي الإعلان عن مبادرة أو التقاط الصور أثناء إطلاقها، ثم ترك الناس يتساءلون عن مصيرها بعد مرور الأشهر والسنوات.

 

كما أن المساعدات الاجتماعية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن التنمية المستدامة. فالسلة الغذائية قد تساعد أسرة محتاجة لفترة محدودة، لكن توفير الماء والصحة والتعليم وفرص العمل يساهم في معالجة مشكلات أوسع وأكثر استدامة.

 

والأمر نفسه ينطبق على المشاريع الصغيرة والمبادرات المحلية؛ إذ ينبغي تقييمها بناءً على أثرها الفعلي، لا على حجم الدعاية المصاحبة لها.

 

ومن هنا، فإن من حق ساكنة شوم أن تطالب بكشف واضح عن المشاريع المعلنة والمنفذة والمتعثرة، حتى لا تختلط الإنجازات الحقيقية بالوعود، ولا تضيع حقوق الناس وسط الروايات المتضاربة.

 

 

 

لا يمكن اختزال مستقبل مدينة شوم في شخص واحد، ولا تحميل جهة واحدة جميع المسؤوليات. فالتنمية مسؤولية مشتركة تتوزع بين الدولة والسلطات الإدارية والبلدية والشركات العاملة في المجال المنجمي والفاعلين المحليين والمجتمع المدني.

 

لكن المسؤولية المشتركة لا تعني غياب المساءلة، بل تستوجب تحديد الأدوار، وتوضيح الالتزامات، ومتابعة ما تحقق وما لم يتحقق.

 

وإذا كانت هناك جهود لترقية شوم إلى مقاطعة، فإن من الضروري أن تترافق هذه الطموحات الإدارية مع رؤية تنموية واضحة، تضمن أن تكون الترقية وسيلة لتحسين الخدمات وتقريب الإدارة من المواطنين، لا مجرد عنوان جديد دون أثر ملموس على حياتهم.

 

فالمدينة لا تحتاج إلى تغيير اسمها الإداري فحسب، بل تحتاج إلى تغيير واقعها الخدمي والاقتصادي والاجتماعي.

 

كما أن مستقبلها لا ينبغي أن يُترك رهينة لمن يرفع صوته أكثر، أو لمن يستطيع تقديم نفسه باعتباره صاحب الفضل الأكبر، وإنما يجب أن يُبنى على رؤية جماعية، ومطالب محددة، وأولويات متفق عليها.

 

 

 

إن شوم، بما تمتلكه من موقع جغرافي وتاريخ منجمي ومقومات سياحية، تستحق أن تكون جزءًا من مسار التنمية، لا مجرد محطة تعبرها القطارات دون أن تنعكس حركة الاقتصاد المحيط بها بما يكفي على حياة سكانها.

 

وتستحق ساكنتها خدمات صحية وتعليمية أفضل، وحلولًا لمشكلة المياه، ومشاريع اقتصادية تتيح للشباب فرصًا للعمل، واستثمارات تحترم خصوصية المدينة وتستفيد من مؤهلاتها.

 

كما تستحق أن تكون المبادرات التنموية واضحة وشفافة، وأن تُقاس نتائجها بما تقدمه للناس، لا بما تمنحه للأفراد من حضور أو مكانة.

 

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه شوم ليس نقص المشاريع وحده، بل أن تنشغل ساكنتها بالصراع حول من يستحق الفضل، بدل الاتفاق على ما تستحقه المدينة نفسها.

 

فالقطار قد يعبر شوم كل يوم، لكن التنمية لا تأتي بمجرد مرور القطارات، ولا تتحقق بتبادل الألقاب والوعود، وإنما تحتاج إلى إرادة جادة، ومطالب موحدة، ومتابعة مستمرة، ومحاسبة مسؤولة.

 

إلى متى ستظل شوم مدينة منجمية تمر عبرها ثروات البلاد، بينما تنتظر ساكنتها نصيبًا أوضح من التنمية؟ وهل آن الأوان لتتجاوز الخلافات المحلية، وتوحد جهودها من أجل انتزاع حق المدينة في مستقبل أفضل؟

زر الذهاب إلى الأعلى